الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله
وآله الأطهار وكافة المرسلين وعباده الصالحين
قال تعالى ( إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً ) الآية ، اذ ألبسهم الله نوره وكسا أسرارهم سنا وده فكانوا مزينين ظاهرا وباطنا وصاروا مرآة جمال الحق ، وكل من يراهم يحبهم فالله أحبهم وهم يحبونه بمحبته للخلق ، والخلائق يحبونهم بمحبة الله اياهم بما يروا من أنوار جمال الحق فيهم فالذين أخلصوا بسريرتهم للرحمن واتعبوا ظاهرهم في طاعته سيجعل لهم وداً في عبادي لا يراهم احد إلا أحبهم وأكرمهم فى محبتهم وكرامتهم كرامتى ومحبتى فقوله تعالى سَيَجْعَلُ لَهُمُ ٱلرَّحْمَـٰنُ وُدّاً يعنى سيجعل لهم خاصة محبوبيته بمحبة العباد لهم وسيجدوا لذة وحلاوة في طاعته
فالله الله يا أحبابي
ان السعيد من عبادك من نظرت اليه يا أكرم الأكرمين ويا أرحم الراحمين
تقدست وتباركت وتعاليت وأنك القريب القريب من أولياءك وأحبابك
أهل العرفان وبصراء العلم لهم معرفة بكمال رحمة الله ، فصفات الرحمة
من انعام المنعم على خلقه الذي تعرف على خلقه بتعرفاته ، ولولا أن
تعرف عليهم بصفات انعامه ما عرفوه ، وهو سبحانه الذي تعرف على كل شيء
خلقه بعلمه ورحمته وتدبيره فما جهله شيء وسعته رحمته وعلمه ، ولقد سألت
الولية الصالحة رابعة أحبابها يوما سؤالا عميقا وقالت : من يدلنا على حبيبنا ؟
وكانت جاريتها عبدة برفقتها فقالت لها بيقين :
حبيبنا معنا لكن الدنيا شغلتنا عنه
فالله الله
لما هام قيس بحب ليلى خرج في الصحراء وهو يردد : ليلى ، ليلى وأصبح يراها في كل شيء وحتى في نفسه ولما سألوه من أنت ؟ قال أنا ليلى .
ولا يخفى علينا أقوال الصالحين الذين ما رأوا شيئا الا رأوا الله فيه
وان دل ذلك على شيء فانما يدل على طهارة وصفاء قلوبهم ودرجة محبتهم لله
فاذا كان هذا شأن المحبين الهائمين الذين حاروا في وصف حضوره فذلك لا يخفى عن العارفين الذين أيقنوا حضوره وما داموا موقنين مستغرقين في بحر الحب والوجل والصفاء والوداد
غلب ظهوره واستولى
فيصير العبد بربه لا بنفسه
وانه مجال علم وعرفان أطهر تتبدد به مجاهيل المخاوف ويرقى فيها العبد بروحه في رياض الدفئ والأمن والقرب والنعيم والمحبة والطهر والصفاء .
فبحر الذات متصل لا يتصور فيه انفصال ولا يخلو منه مكان ولا زمان وهو معكم أينما كنتم بذاته وصفاته على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه اذ الصفة لا تنفصل عن الموصوف واذا كانت المعية بالعلم لزم أن تكون بالذات
فالأكوان تتصاغر في عزة الرحمن وسطوات عظمته فرحمانيته أشرقت رحيميتها وكمال نفاذها
في مكنون الخلق والخلائق
ولقد سأل عبد صالح بما عرفت الله ؟ فقال بجمعه بين الأضداد ثم تلا قوله تعالى ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ) الآية ، فالأكوان تتصاغر في عزة الرحمن وتتلاشى بسطوته وهو الذي دانت اليه الأشياء فلا شيء أقرب اليه من شيء .
فهو معكم يا أحباب الله أينما كنتم بذاته وصفاته على ما يليق بجلال قدسه وكمال كبريائه
ظاهر في بطونه باطن في ظهوره .
ما ظهر به هو الذي بطن فيه وما بطن فيه هو الذي ظهر به
فسبحان الله بكرة وأصيلا تسبيحا يليق بكمالك وعزتك ومجدك وباشراقة أسرارك في قلوب طاهرة موقنة غمرها الحب والصفاء تسبحك تسبيح الأسرار في بحار التعظيم .
وانه الحبيب الذي لا يعدله حبيب الذي يتذلل له
المتذللون ويتضرع له المتضرعون من عباده وهو الذي تبارك اسمه ، واذا رأيتم العبد يكثر من ذكر
ربه فذلك من حبه لربه والله أذن له في ذلك ولم يحجبه عنه وأن هذه المعرفة قدرها
عزيز عند الله يلهمها أولياؤه فانظروا الى الكافر فهو عبد أعمى أبى أن يعرف ربه ولا يستسيغ
علما ولا يرى قربا لأنه يرى الأشياء بماديتها ، وبصيرته عمياء لا روح فيها ، ولا يرى الا
ظاهرا من الحياة الدنيا ، ولا يذكره عبد من عباد الله في نفسه الا ذكره في ملأ من
ملائكته ولا يذكره في ملأ الا ذكره في الرفيق الأعلى ، وانما الأشياء برحمة الله
يا رابعة فهو قرة العيون ومنية المشتاقين
وهو الذي يشوق أحبابه اليه وهو منتهى سرائر القلوب
اليه تتحرك الأشواق منعمة بذكره ولا تمل حلاوة
ذكره ألسنة الخاشعين ولا تكل من الرغبات مدامع
المحبين فتحننه أيقظ أشواقهم لمحبته
وهو الذي يقيمهم بصدق المحبة بين يديه ويلبسهم كسوة
من صفات رحمته بعطفه وحنانه
فتجلت فيهم معاني الحق بخلة الأحباب
فان كنت من تهوى عزيزا فتذلل تكسب عزة ، فكم عزة نالها العبد من الذل ومن
يرحم الذليل يا رابعة الا العزيز ، فمن رحمته أن ألبس عبده كسوة من صفات رحمته وحنانه
فجعله رحمة للمنقطعين وشفاء لمرضى المحبين وجعله مطهرا اذ قدسه في بحر جلاله
بزلال وصاله عن غبار الامتحان وحرزا للعصيان ويجعله
تقيا معرضا عن غيره مقبلا عليه
بنعت الشوق الشديد الممزوج بلهفة الحنين الذي يوجب له الانبساط والدلال ، وأدنى
مراتب المحبة هي حب الصورة أو الجسد بينما الحب الغامر الهامس في القلوب هي
المحبة المعرفية فالشوق تذكار للقلوب ومن صدق ظفر بمواهب الحق له بالمنن
وعلامتها كشف الغطاء واحياء القلب وتحقيق المحبة .
والمستغرق هو في شهود وغبطة بالموجود الواجب ولا حال بين العبد والمعبود الا الفرح
بالموجود الواجب والحزن على الجائز المفقود ، وكلما غلب المعنى
على الحسي كان العبد أقرب
الى الوصول ، فالله تعالى أمد عبده بمواهب ليعرف أنه الله ، والعلم كل العلم أنه الله
وهو الواجب وغيره الجائز ، فكيف يستدل عليه بما هو في وجوده مفتقر اليه ، أيكون
لغيره من الظهور ما ليس له عميت عين لا تراه رقيبا ، وخسرت صفقة عبد لم يجعل
له من حبه نصيبا ولم ينهل من روحه ورحمته وحكمته ، وأي ران على القلوب مع ظهور أنواره .